الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة محسن خلف الّذي آمن بالفنّ عملا يوميّا

نشر في  13 نوفمبر 2024  (11:17)

التلميذ فاتح بن عامر[1]

 

محسن خلف، شخصيّة تشكيليّة وثقافيّة ذائعة الصّيت في صفاقس وخارجها، ليس فقط من خلال نشاطه الفنّي التّشكيلي إنتاجا وتدريسا وتكوينا وعروضا، بل ومن خلال ما يتمتّع به من حضور متميّز في جميع المحافل واللّقاءات المختلفة، بيداغوجيّة وفنّية تشكيليّة وثقافيّة وكذلك اجتماعيّة ورياضيّة وسياسيّة. محسن خلف دائم الحضور بضحكته ولطافته وطبعه الودود. وهو صاحب كاريزما متوزّعة ومتنوّعة لشخصيّة بيداغوجيّة ذات اقتدار سواء في تعليم الفنون أو في تعليم رياضة ركوب الخيل أو في التّنشيط الفنّي والثقافي عموما.

إنّ أبعاد هذه الشّخصيّة المتنوّعة الاهتمامات والنّشاطات هي الّتي تجعل من محسن خلف أيقونة في فضاء مدينة صفاقس، أيقونة ارتبطت بزرع حبّ الفنّ وممارسته عند أجيال عديدة من تلاميذه السّابقين طيلة أربعة عقود من التّدريس ولمرتادي فضاء الفنون في مقرّه الأوّل بأول طريق تونس ومقرّه الثاني بداية طريق قرمدة. لقد سمحت هذه الخصال لدى الرّجل بأن يكون من أهمّ فنّاني مدينة صفاقس وتونس عموما، لأنّ أخلاقه وطبعه المضياف يسبقه كما يسبقه ظلّه في الطّريق وتسبقه صورته في أذهان أصدقائه وزملائه وتلاميذه ومحبّيه.

 لقد ركّز محسن خلف على فئتي الأطفال والشّباب واستجلبهم نحو هذا الفنّ العظيم فنّ الرّسم والنّحت والحفر والطّباعة وغيرها من التّقنيّات التّشكيليّة الّتي تمّ استقاؤها من الصّناعات اليدويّة ومن الحرف التّقليديّة التّونسيّة ونجح في هذا التّوجّه البيداغوجي بشكل لافت. وسمحت له سرعة تمرير التّقنيات إلى المتعلّمين بأن يكون معلّما ناجحا ومنشّطا متميّزا وفنّانا ثابت الأداء وكثيف الإنتاج. على هذه الرؤية الّتي بناها الفنّان محسن خلف بروح التّشارك أوجد مناخا ثقافيّا متقاربا بينه وبين زملائه من أبناء جيلهم محمّد بن عيّاد وعبد العزيز الحصايري وأحمد المصمودي. وبهذا صار فضاء الفنون بيتا من بيوت الفنون التّشكيليّة في تونس ومركزا له روّاد كثر برز منهم عديد الفنّانين على السّاحة الجهويّة والوطنيّة.

 في اهتمامات محسن خلف، تقنيات عديدة وكمّ هائل من الأساليب الفنّيّة المتعارف عليها والمتوفّرة في الحرف والفنون التقليديّة التّونسيّة. دفعت هذه الاهتمامات تجربة الفنّان التّشكيلي محسن خلف كي تكون ثريّة وواسعة تمتدّ على مجال الحفر والطّباعة بشتّى المواد وعلى شتّى المحامل وعلى الرّسم بشتّى أنواع الوسائط التّاركة للأثر من فراشي وأقلام وريًش الكتابة وما تيسّر من قطّة قلم الخطّ إلى القلم الجاف إلى ما إلى ذلك من الوسائط. وبهذه الوسائط ومختلف الحوامل الورقيّة والخشبيّة والمعدنيّة والبلاستيكيّة الممكنة، أسّس محسن خلف تجربة غنيّة بالأعمال ذات الأحجام المختلفة والتّي كانت الأحجام الصّغيرة الأوفر حظّا فيها.

وهذا ما يجعل من منجزه الفنّي يميل إلى سيطرة فكرة المنمنمة أو المحفورة أو الرّسم على الزّجاج. وبين الرّسم والحفر والأعمال القرافييكيّة والرّسم بالرّصاص والرّسم على البلّور والأعمال الخطيّة توزّعت مجهودات الفنّان وتنوّعت أساليب الأداء في تجربته. على هذه الأسس والمعطيات، لا يمكن أن نقول بأنّه حفّار أو رسّام فقط، بل هوّ حصيلة كلّ هذه التخصّصات الفنيّة المتعارف عليها. وبمثل تعدّد الاهتمامات الحياتيّة وتوزّعها بين المجالات الحياتيّة وفروعها تتعدّد التقنيات والمحامل والمواد والاختصاصات لدى الفنّان. تناظر منطقي بين الشخصيّة الاجتماعية والشخصيّة الفنيّة في الملمح العام للفنّان محسن خلف. وهو ما يمكن أن نسميّه بالتأليف بين العناصر من أجل الحصول على الوحدة. نعم وحدة الشّخصيّة الّتي أخذت من كلّ هذا العالم معطياتها كما استمدّت خصوصّية تجربتها.

تحتوي أعمال محسن خلف على طيف واسع من الأشكال والألوان وهو طيف مستمدّ من مرجعيّات مختلفة، فهي أشكال آدميّة من نساء ورجال وأشكال طبيعيّة من زهور ونبات وحيوان وكذلك أشكال معماريّة وأخرى خطّية. وهي أشكال تنحدر من المرجع المحلّي أوّلا، ونعني به مجالات الفنون والحرف التقليديّة من منسوج ومصوغ وفنون خشب وتزويق حائطي وغيرها من المتوفّر في الموروث بفضاءاته المعماريّة والحياتيّة. يضاف إليها اتّصال مرجعي مباشر بمدوّنة الرّسم على الزّجاج وتحته وما تزخر به الجهة من أعمال في هذا الاختصاص، ويدعم هذه المدوّنة التراثيّة الخطّ العربي بخصوصيّاته المحليّة.

وبالفعل قدر محسن خلف على جمع هذا العالم الّذي نعيش فيه وبه في لوحاته وأعماله المختلفة من رسم على البلوّر وعلى الورق والقماش، عالم الحياة المحليّة بكلّ معطياتها في تجريد متنوّع تنوّع الأساليب الزخرفيّة والصّيغ التركيبيّة. والواقع، ليس هناك مشكلة لدى محسن خلف بأن يكون العمل تشخيصيّا أو تجريديّا، فالأسلوب الّذي يعتمده تبسيطيّ يذهب باتّجاه الأسلبة والنّمذجة المستمدّة من عديد المرجعيّات ومنها فن الرّسم على البلوّر وفن المنمنمات وفنّ كبار الفنّانين العالمين على غرار بيكاسو ومودغلياني وغيرهما وكذلك فنّ الرّواد التّونسيين كبلاغة والقرجي وصفيّة فرحات.

وهذا ليس بغريب فالفنّان ينتمي إلى ذاك الجيل الّذي شهد تحوّل المدرسة الأم من إشراف وزارة الشؤون الثقافيّة إلى إشراف وزارة التعليم والتعليم العالي، إبّان سطوة البحث في التّراث والتّعامل مع ديوان الصناعات التقليديّة وديوان السّياحة. وهذا ما يتكامل وصبغة إتقان الصّنعة المتوفّرة في تكوين أمّنه أساتذة يؤمنون بالاحتراف الفنّي.

لا يمكننا حقيقة أن نتناول مواضيع رسومات محسن خلف وأعماله على أساس أنّها مواضيع تعبيريّة دراميّة أو تشكيليّة بحثيّة أو زخرفيّة، فمحسن خلف لا يجسّم فكرة للتّعبير عنها أو عبرة أو مشهدا من أجل نقل المشهد أو التّعبير عنه، إنّه يمارس الفنّ كما لو كان لعبة ويمارس الفنّ كما لو أنّه هو الحياة. وحقّا هذه هي المعادلة الصّعبة السّهلة الّتي كان أجدادنا يعيشون بها وعليها، الفنون تساوي لديهم ممارسة الحياة، إذ هو يدخل في مجمل تفاصيلها باعتباره يغطّي بنشاطه السّكن والملبس والزينة أو بالأحرى جميع الهيئات.

لا يمكن أيضا أن نتحدّث عن الملوّنة منفصلة عن الأعمال ولا عن الحالات العديدة الّتي يعيشها الفنّان فتوعز إليه بضرورة الفعل. كلّ الألوان متاحة، غير أنّ الأسلوب الّذي يغلب عليه استعمال المتدرّجات اللّونيّة والضّوئيّة في اللّون الواحد أو في اللّونين هو الغالب على ملونة محسن خلف. هذا دون أن نغفل شغفه بالأسود وبالأعمال التّخطيطيّة أو المنقّطة والّتي يحذق فيها توزيع التّدرّجات الضّوئيّة والإيحاء بالحجم.

ومن الطّرائف أنّي كنت أجلس قبالته في القسم سنة 1981 وأنظر إليه وهو يداعب القلم الأسود والأزرق ويخطّ بهما ما يجول بخاطره وأنا في استغراب ممّا يفعل الأستاذ. لم أكن أعلم ساعتها بأنّ الرّجل الّذي أمامي يحذق فنّ التصرّف في المساحات بشعريّة نادرة، قد لا يفطن بها إلاّ القليل. شعريّة لا تنطق كلاما لكنّها تتترجم حركيّة وانسيابيّة ومواءمة بين الأشكال الموقعة والمولّدة لتنغيم الإيقاع البصري بتوحيد لوني مبحوث فيه.

دون أن نتفلسف أو نزج بتجربة الفنّان في معابر التّنظير المبهم والباحث عن التّعلاّت من خارج الأثر الفنّي، أقول بأن تجربة خمسة عقود من العطاء الفنّي، تحمل في طيّاتها وقع الحياة وإيقاعاتها هي تجربة فنّية لا تدّعي الكثير من التّعقيد ولا المفاهيم، بل تستدرج الحياة لتكون هي المنطلق وهي المنتهى.

ومحسن خلف يقدّم الحياة فعلا، إذ يعكس الفنّ من عالم مثالي يغازل الجميل والجليل إلى عالم واقعي يستدعي كلّ شيء ماثل أو كلّ حدث عارض أو كلّ حادثة وواقعة كي تكون موضوعا للعمل الفنّي كما هي ولكن بأسلوب يحاكي ما هو موجود بين ظهرانينا من إرث أهلنا وأجدادنا ومن صنع آبائنا ومعاصرينا وممّا جادت بها المكتشفات والتقنيات.

تجربة محسن خلف تجربة تأليف لشخصيّة تمتدّ ارتفاعا في الفضاء بحضورها الجسماني كما تمتدّ أفقيّا في الحياة لتضمّ منها الكثير حتّى تكون ساكنة في بيت الفنّ. وهي أيضا وبكل بساطة تجربة الحياة الّتي عاشها ويعيشها ونعيشها معه. محسن خلف الّذي آمن بالفنّ عملا يوميّا مثلما كان في بيئتنا العربيّة والإسلاميّة وما قبلها، والّذي آمن بالفنّ ملاذا آمنا من كلّ ما هو خارجيّ.



[1]- كتبت هذا النّص وأنا أتذكر وأتمثل أستاذي محسن خلف في سنة 1980-1981 بمعهد غرة جوان 55 ، غرة ماي حاليا بصفاقس.